أحمد بن محمود السيواسي
150
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 28 ] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 ) قوله ( لا يَتَّخِذِ ) بكسر الذال ورفعه « 1 » نهيا أو خبرا في معناه ( الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ ) أي أحباء ( مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي مكان المؤمنين وبدلهم « 2 » ، نزل في شأن المنافقين كعبد اللّه بن أبي وأصحابه ، كانوا يتولون اليهود في العون والنصرة ويأتونهم بالأخبار من المؤمنين « 3 » أو في شأن حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة لكون أولادهم وأقربائهم فيها « 4 » ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك ، أي اجتنبوا أيها المؤمنون عن موالاة الكفار فلكم غنية عنها بموالاة المؤمنين ، لأنهم أعداء اللّه ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ) أي موالاة « 5 » الكفار ( فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ ) أي من دينه وتوفيقه ( فِي شَيْءٍ ) أي في حظ ، لأن من والى عدو اللّه فقد دخل في عداوة اللّه ، وانسلخ من ولاية اللّه رأسا لأنهما متنافيان لا يجتمعان ، ثم استثنى الخائفين منهم فقال ( إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا ) في محل النصب مفعول له ، أي لا توالوهم إلا لأجل أن تخافوا « 6 » ( مِنْهُمْ تُقاةً ) بالألف والإمالة « 7 » ، أي مخافة بوجه يجب الآحتراز منه ، وذلك بأن يغلب الكفار أو يقع المسلم بينهم فيرضيهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه ، وهذا رخصة منه تعالى فلو صبر حتى قتل كان أجره عظيما ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) أي يقول اللّه إياكم ونفسي ، يعني احذروا من سخطي بموالاة « 8 » أعدائي ، قيل : إنما يحذر نفسه من يعرفه بالمكاشفة « 9 » فأما « 10 » من لا يعرفه فخطابه « وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » « 11 » ( وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) [ 28 ] أي المرجع تحذير آخر بالبعث والجزاء . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 29 ] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 ) ( قُلْ إِنْ تُخْفُوا ) أي إن تضمروا « 12 » ( ما فِي صُدُورِكُمْ ) أي ما في قلوبكم من موالاة الأعداء ونقض العهود والعمل بما لا يرضى اللّه به « 13 » ( أَوْ تُبْدُوهُ ) أي تظهروه للمؤمنين ( يَعْلَمْهُ اللَّهُ ) جزم بجواب الشرط ، قوله ( وَيَعْلَمُ ) استئناف في معنى التعليل ، أي لا يخفى عليه ذلك ، لأنه يعلم ( ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) فيعلم سركم وجهركم ( وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) أي من السر والعلن والعذاب والمغفرة ( قَدِيرٌ ) [ 29 ] أي مقتدر بقدرة ذاتية لا يختص بمقدور دون مقدور . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 30 ] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ( 30 ) ( يَوْمَ ) أي اذكر يوم ( تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ) في الدنيا ( مِنْ خَيْرٍ ) أي ثوابه من غير نقص ، بيان ل « ما » بمعنى الذي ، أي تجده ( مُحْضَراً ) أي مكتوبا في صحفهم يقرؤنه ، قوله « 14 » ( وَما عَمِلَتْ ) مبتدأ بمعنى الذي عملته النفس ( مِنْ سُوءٍ ) أي من شر في الدنيا ولا يصح أن يكون شرطية ، لأن قوله ( تَوَدُّ ) لم يسمع فيه الجزم الذي هو المختار من القراء ، فهو « 15 » في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ ، أي تحب النفس وتتمنى ( لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ ) أي أن يكون
--> ( 1 ) أخذ المؤلف هذه القراءة عن السمرقندي ، 1 / 258 . ( 2 ) وبدلهم ، ب م : وبدله ، س . ( 3 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 1 / 258 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 85 . ( 4 ) عن مقاتل ، انظر السمرقندي ، 1 / 258 ؛ والبغوي ، 1 / 448 . ( 5 ) موالاة ، م : ولاء ، ب س . ( 6 ) أن تخافوا ، ب س : أن يخافوا ، م . ( 7 ) « تقاه » : قرأ يعقوب بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء مفتوحة علي وزن مطية ، والباقون بضم التاء وفتح القاف وبعدها ألف . البدور الزاهرة ، 61 . ( 8 ) بموالاة ، س م : بموالات ، ب ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 449 ؛ والكشاف ، 1 / 169 . ( 9 ) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها . ( 10 ) فأما ، ب س : وأما ، م . ( 11 ) البقرة ( 2 ) ، 281 . ( 12 ) أي إن تضمروا ، س م : أي تضمروا ، ب . ( 13 ) لا يرض اللّه به ، ب م : أي تضمروا ، ب . ( 14 ) قوله ، س م : - ب . ( 15 ) فهو ، ب س : وهو ، م .